
جنة وادي عمد ـ اليمن
اكد جلالة الملك عبد الله الثاني ان السياسات العامة لن تكون رهينة للاشاعات والجهل وان استعمال هذه الاشاعات لاعاقة مسيرتنا نحو التقدم امر غير مقبول اطلاقا.
وقال جلالته اذا كان لدى اي شخص برهان على تصرف خاطئ مقصود فليعلن عن ذلك, فابوابنا مفتوحة دائما ونرحب بالنقد ونشجع عليه عندما يتصل بمبدا الشفافية.
واكد جلالته في مقابلة شاملة مع وكالة الانباء الاردنية اجراها الزميل رمضان الرواشدة انني عملت كما عمل المغفور له الراحل الكبير والدي من قبلي بجد كبير للترويج للاردن كمقصد استثماري وانه لدي رؤية للمستقبل واريد للاردن ان يكون البلد الاكثر تقدما في العالم وان يكون منفتحا على العالم بغير خوف او وجل, مشددا جلالته على ان الاستثمار يجب ان لا يكون على حساب الشفافية.
وقال جلالته موجها حديثه للحكومة: ان رسالتي لكم ان امامكم تحديات لم تتم مواجهتها من قبل الحكومات السابقة وامامكم في الوقت ذاته فرص لم تتح من قبل .
واضاف استمعوا الى ما يقوله المهنيون والخبراء وتجاهلوا الاشاعات والثرثرة ودائما تواصلوا بوضوح وشفافية مع المواطنين.
وقال جلالته انني فخور بانجازاتنا فالاردن حقق تقدما كبيرا خلال السنوات الماضية وان انكار ذلك جريمة بحق الوطن.
وشدد جلالته على انه من موقعي كقائد لهذا الوطن فانني اعتبر ان الاولوية بالنسبة لي هي حماية وصيانة الدستور والتاكد بان السلطات الثلاث تلتزم به حرفيا.
وفي معرض اجابته حول ما شهدته الاسابيع الماضية من اشاعات وافتراءات حول بعض الاجراءات الحكومية قال جلالته ان نقد السياسات الحكومية في الاوقات الصعبة واستعمال هذا من اجل اجندة معينة لمجموعة من الناس امر مقبول ولكن استعمال الاكاذيب المكشوفة والاشاعات الصبيانية لاعاقة مسيرتنا نحو التقدم امر غير مقبول على الاطلاق.
واكد جلالة الملك عبدالله الثاني ان الاردن وطن غني بعشائره التي كانت وستظل بعون الله الركيزة والعمود والسند الاساسي لمتانته وصموده واستقراره ونهضته, فنحن بلد سيادة القانون وتكافؤ الفرص والعدل والمساواة بلد المؤسسات الذي يحميه الدستور وقواتنا المسلحة الباسلة واجهزتنا الامنية التي نفاخر بها العالم.
وقال جلالته انني اتشرف بالانتساب الى عائلة هاشمية نات دائما بنفسها عن الاشاعات والكلام غير المسؤول الذي لا نعيره اهتمامنا
وفيما يلي النص الكامل لحديث جلالته:
* امرتم جلالة الملك بان نتناول كافة المواضيع بصراحة وشفافية خاصة حول القضايا التي تثير جدلا وتنتشر في اوساط النخب الاردنية, لذا اعتذر سلفا اذا ما كانت بعض الاسئلة خارج السياق وغير ملائمة, ولكنني اريد ان انفذ تعليماتكم واوامركم بان اكون بمنتهى الصراحة.
- هذا يلائمني تماما, وكما ذكرت انا الذي طلبت منكم ان تكون هذه المقابلة بمنتهى الصراحة, واريد ان اتناول بعض القضايا المثيرة للجدل لكي نتجاوزها ونمضي قدما لبناء مستقبل اردني زاهر وكما اقول دائما ليس لدينا ما نخفيه في الاردن.
* اذا كنتم جلالتكم امرتم ان اتناول في اسئلتي وبمنتهى الصراحة المواضيع المثيرة للجدل وهو امر غير مالوف, اذا جاز لي السؤال لماذا هذا الطلب الان?
- لان بلدنا اليوم يواجه تحديات هائلة وفي الوقت نفسه امامنا فرص كبيرة لم تكن متاحة لنا من قبل, فرص يمكن ان تساعدنا في حل بعض المشاكل التي نعاني منها منذ فترة طويلة, وتساعد ايضا في التخلص من اثار وتداعيات هذه المشاكل نهائيا. ولكن من الاهمية بمكان ان نقوم على الاقل بجهد مخلص لفهم مستوى التحديات والفرص, دون اللجوء الى السلبيات, والاشاعات, واغتيال الشخصية, والطروحات والاقوال العاطفية.. انني اشعر بصدمة وبخيبة امل كبيرة بسبب المستوى المتدني للجدل الدائر في بعض الاوساط النخبوية والاعلامية.. ولقد تعودت طوال حياتي على سماع الشائعات التي تطلق عليّ وعلى اسرتنا وعلى الاردن, ولكنني اشعر اليوم ان الشائعات التي تطلق اصبحت تؤثر سلبيا على مستقبل الاردن, وببساطة لا يمكنني ان التزم الصمت.
* ما هي التحديات والفرص الماثلة كما ترونها جلالتكم ?
- هناك ثلاثة تحديات رئيسية: الاسعار, الاسعار, الاسعار. وبالطبع لدينا تحديات رئيسية اخرى مثل البطالة, والفقر, والمديونية, ولكن من الانصاف ان نقول ان الاسعار المرتفعة هي التي تشغل بال كل واحد منا. ففي كل يوم, تظل الاسعار قضية تستحوذ على تفكيري, وتقلقني كثيرا لما تمثله من تحد هائل لغالبية الاردنيين, وتثقل كاهلهم. وحيثما ذهبت, اتشاور مع الخبراء لمساعدتي في التوصل الى اجابات وحلول وقد تحدثت الى الخبراء المحليين والخبراء العالميين, من الدول النامية والدول المتقدمة, ومن مختلف المدارس الفكرية, من اقصى اليسار الى اقصى اليمين. والاجابات جميعها متشابهة. فهذه مشكلة يعاني منها العالم باجمعه, والعالم النامي الذي نشكل جزءا منه هو الذي تلقى الضربة الاشد والاقسى. وليس هناك حكومة في العالم حسب علمي تمكنت من ايجاد الحل المناسب في المدى القصير لحماية مواطنيها وتحصينهم في وجه الاسعار المرتفعة, واي شخص يقول عكس هذا فهو غير منصف في قوله.
ولكن هناك اجراءات على الحكومات ان تقوم بها على المدى القصير لتخفيف تاثير الاسعار. وهنا في الاردن فقد بدات الحكومة بتنفيذ حزمة من الاجراءات التي تحمي المواطن من تداعيات غلاء المعيشة, من خلال زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام المدني والعسكري, وتشجيع القطاع الخاص على القيام بذلك ايضا. وتم توسيع شريحة المنتفعين من المعونة الوطنية, وزيادة نصيب الفرد الفقير من المعونة شهريا لمساعدته على تجاوز تحديات غلاء المعيشة, وتوفير الحوافز لتشجيع الشباب على العمل والانتاج, وانطلقنا في تنفيذ برنامج اسكان كبير مدعوم, هو برنامج سكن كريم لعيش كريم, وقدمنا الدعم المالي لصناديق الاسكان العسكرية وصناديق اسكان المعلمين, ووفرنا الاف المساكن للاسر الفقيرة, لمجابهة الكلفة المرتفعة للعقار, وقامت الحكومة بالتدخل في السوق لدفع اسعار السلع الاساسية الى الانخفاض الى اقصى حد ممكن, من خلال دعم بعض السلع بصورة مباشرة, وتخفيض الرسوم والضرائب على السلع الاخرى, وبيع المواد التموينية بسعر الكلفة في المؤسستين الاستهلاكيتين العسكرية والمدنية, وزيادة فروعها في المدن والقرى والبادية, اضافة الى فتح الاسواق الشعبية. وانا اول من يعترف بان هذا ما زال ليس كافيا واننا بحاجة الى القيام بالمزيد, وسنقوم بعمل المزيد, ان شاء الله.
اما على المدى المتوسط والمدى الطويل, فان جميع الخبراء يتفقون بان جزءا كبيرا من حل مشكلاتنا يتمثل في قدرتنا على تشجيع الاستثمار: المحلي منه والاجنبي. وهذا يساعد على خفض نسبة الفقر وتوفير فرص العمل للشباب الذين هم الامل والرجاء حاضرا ومستقبلا. ولذلك وانطلاقا من حرصنا على توزيع مكتسبات التنمية على مناطق المملكة المختلفة, فقد اوعزنا بتاسيس العديد من المناطق التنموية الاقتصادية في كل من العقبة ومعان والمفرق واربد, بحيث تعكس النشاطات الاقتصادية التي سيتم تاسيسها في هذه المناطق المزايا التنافسية لها. ان نهج تشجيع الاستثمار الاهلي الوطني والاجنبي ليس وصفة جديدة او سرية, فجميع الدول المتقدمة والمزدهرة لديها مواقف وتوجهات منفتحة ومشجعة تجاه الاستثمار الخاص. حتى انه في العديد من الدول المتقدمة نجد ان الاستثمار فيها اسهل من الحصول على تاشيرة لزيارتها.
وفي هذا المجال توجد اليوم فرص هائلة يمكن ان يستفيد الاردن منها. وبالرغم من اننا نعاني, مثل معظم الدول في ارجاء العالم, من مشكلة ارتفاع الاسعار, فاننا في الواقع في وضع افضل بكثير من العديد من بلدان العالم والتي لها موارد طبيعية اكثر مما لدينا. فنحن لدينا علاقات قوية مع اخواننا في دول الخليج التي تشهد طفرة مالية نتيجة لارتفاع اسعار النفط, ومثلما كان الراحل الكبير والدي المغفور له باذن الله, حريصا عليها قبلي, فانني ابذل الجهد الكبير لترسيخ علاقات اخوية حميمة مع جميع الدول العربية, وخاصة دول الخليج. والحمد لله لمسنا بشكل جدي الرغبة القوية لدى اشقائنا في الخليج, لمساعدة الاردن, وانا فخور وشاكر لهم بهذا. وبخلاف الوضع خلال السنوات الماضية عندما كانت اسعار النفط منخفضة , فان لدى اشقائنا في الخليج اليوم امكانات كبيرة ونية صادقة وارادة مخلصة لمساعدتنا. وليس هناك شك في انهم يقدمون المساعدات الاقتصادية للموازنة العامة, وخاصة المملكة العربية السعودية الشقيقة التي وقفت الى جانبنا خلال السنوات الماضية وقفة مشرفة. وعلاوة على ذلك فان بامكان الاشقاء في الخليج العربي مساعدتنا اضعافا مضاعفة من خلال الاستثمار. واريد لكل اردني ان يتفهم حجم هذه الفرصة وضخامتها, وبعض الخبراء يقولون ان سرعة تكوين الثروات في الخليج العربي ليس لها نظير في التاريخ. واذا لم نبذل اقصى جهدنا لمحاولة الاستفادة من هذه الطفرة الاقتصادية النادرة الحدوث, فسنكون قد خسرنا الكثير وقصرنا في استغلال الفرص لتطوير بلدنا وتحديثه. ولا احد يعلم كم ستستمر هذه الطفرة, بعضهم يقدّر استمرارها لمدة 3-5 سنوات, واخرون يرون انها ستستمر لمدة 10 -20 عاما. وما اريد قوله ان من الحكمة التصرف وكان هذه الطفرة ستنتهي في الاسبوع القادم. واذا لم نتمكن من استثمار هذه الفرصة لجذب الاستثمارات الخليجية الى الاردن, فان الاخرين سيقومون بذلك وحتما لن ينتظرنا احد.
* ربما عندما يتصل الامر باستراتيجية الحكومة لتشجيع الاستثمار, فان جزءا من الجدل يدور حول بيع الاراضي الحكومية للمستثمرين من القطاع الخاص. في راي جلالتكم هل هذا شيء من الملائم ان تقوم به الحكومة?.
- الاجابة البسيطة هي نعم, ولكن بعد التمحيص الدقيق والدراسة الوافية. ان خلفيتي العسكرية تحتم علي بان تكون اول ردة فعل لي هي حماية الملكية العامة. ولقد استمعت بعناية شديدة لبعض الاقوال المغرقة في العاطفية ضد بيع الاراضي الحكومية. ويريدون مني ان استعمل سلطاتي لمنع الحكومة من بيع اي من اراضيها. وانا شخصيا قرات الكثير عن هذه القضية وتشاورت مع العديد من الخبراء, واهم من ذلك كله, نظرت في كيفية تعامل الدول في ارجاء العالم مع هذه القضية. ان بيع املاك الحكومة, بما في ذلك الاراضي, ممارسة شائعة في انحاء العالم. وهناك امثلة كثيرة حول متى يجب عرض اراضي الحكومة للبيع, وساتحدث عنها فيما بعد.
ان الارض هي احد عوامل الانتاج التي تستخدم في دول العالم كافة, وفي مختلف العصور, للتطوير والتحديث وبناء مستقبل الاجيال القادمة, وانا اعتقد ان استثمار جزء من الاراضي الحكومية سواء بالبيع او التاجير او المشاركة, هو احد الخيارات الشرعية المتاحة للحكومة, ما دامت العوائد تستثمر من اجل الصالح العام, ومن اجل مصلحة الاجيال القادمة. وكي تتمكن من القيام بهذا, يمكنها اما ان تزيد الضرائب, او تحصل على قروض, او تبيع بعض الاصول الحكومية. وهذا هو النهج الذي تتبعه الحكومات في ارجاء العالم في عملها, فهي تلجا عادة الى الجمع بين هذه الاساليب الثلاثة. وعدم السماح للاردن باستعمال مصدر اساسي للتمويل الحكومي تستعمله جميع الحكومات, يضعنا في موقف ضعيف.
وعلى سبيل المثال, فان بيع اراضي الخزينة لتسديد الديون الخارجية, وهو ما قامت به الحكومة مؤخرا, انقذ الاجيال الحالية والقادمة من دفع فوائد عالية على الدين وجعل تصنيف الاردن المتصل بالدين اكثر جذبا للاستثمارات العالمية. ومرة ثانية اود ان اذكّر الجميع باننا سددنا جزءا كبيرا من ديوننا هذا العام بلغ 2.4 مليار دولار, وترتب على ذلك انخفاض نسبة الدين الخارجي الى الناتج المحلي الاجمالي من 46% الى 29%). وهذا استعمال شرعي لبيع الاراضي, والحكومات في ارجاء العالم تقوم به طوال الوقت. وبيع اراضي الحكومة لبناء مدرسة او مستشفى لخدمة اجيال عديدة قادمة هو بالطبع خيار شرعي اخر.
وايضا, فان توفير الاراضي الحكومية للاستثمار الخاص لخلق الوظائف والمساعدة في تخفيض معدلات الفقر هو ايضا استعمال شرعي. وعلى سبيل المثال, السماح للقطاع الخاص ببناء الفنادق على الاراضي الحكومية في البحر الميت والعقبة واي مكان اخر في الاردن لتشجيع السياحة وخلق الوظائف هو امر يجب ان يكون موضع ترحيب من قبلنا. فغالبا ما تقدم الحكومات للمستثمرين الارض باسعار مدعومة لجذبهم الى مناطق لا تشكل جذبا لهم دون هذا الدعم. اضافة الى ذلك, فان الحكومات لتاكيد رهاناتها وتشجيع المستثمرين, فانها احيانا تدخل في مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص لتطوير الاراضي الحكومية. وهو اسلوب استعمل بصورة مكثفة وبنجاح في الاردن, في العبدلي والزرقاء والعقبة. وعندما تبيع الحكومة الارض الى مستثمرين اردنيين او عرب او اجانب, فالسيادة الاردنية باقية عليها, ولن تغادر هذه الارض حدود وخارطة الوطن.
ولنتذكر ان الحكومة مثلما تبيع الارض, يمكنها ايضا شراؤها واستملاكها. واذا ما رات الحكومة في المستقبل ذلك مناسبا, فلديها سلطات واسعة لشراء ما ترى انه مناسب من الاراضي للمصلحة العامة, ما دامت تقوم بدفع التعويض العادل لمالك الارض وحسب القوانين المرعية. والحكومات في ارجاء العالم تقوم بذلك طوال الوقت. وانا اقول هذا لان البعض يصورون بيع الحكومة لما لديها من اصول على انه قرار وسيناريو مشؤوم لا رجعة فيهما, بينما في الواقع ان الحكومة لديها خيارات عديدة في الحاضر وفي المستقبل, وهذه الخيارات تتبناها الحكومات في العالم يوميا.
وبالمقارنة مع الدول الاخرى, فنحن في الاردن لدينا نسبة كبيرة من الارض مملوكة من قبل خزينة الدولة تقدر بحوالي 80% من مجموع مساحة المملكة, وهذا يعتبر نسبة عالية جدا مقارنة بالدول الاخرى. ففي دول غربية فان هذه النسبة تصل الى 30%. وهذا يمثل فرصة هامة في ضوء المستوى العالي للاهتمام بالاردن هذه الايام.
وما اريد توضيحه هو ان الجدل يجب ان لا يتركز حول فيما اذا كان للحكومة الحق في بيع اراضي الدولة او اي اصول اخرى تملكها الدولة, لانه من الواضح انها تملك مثل هذا الحق لبيع الاراضي, ولكن السؤال يجب ان يتركز حول كيفية استعمال عائدات مثل هذا البيع? واذا كانت العملية شفافة, واذا ما كانت فوائد البيع اكثر من فوائد الاحتفاظ بملكية الارض, فان هذا يوفر فرصة لشعبنا الاردني ان يستفيد منها. ومن اجل هذا, اوعزت مؤخرا بتشكيل لجنة لتدقيق وتقييم اي بيوعات محتملة للاراضي تتصل بالاراضي العسكرية. اضافة الى ذلك, فانني ارحب بالنقد الذي يوجهه المواطنون, وفي الواقع اشجع عليه عندما يتصل بمسالة الشفافية, وبما اذا كانت هناك اسباب موجبة لبيع بعض الاصول الحكومية. ففي اي بلد, عادة ما يكون بيع الاصول الحكومية مثار جدل. ولكن حاليا, هبط مستوى الجدل لدى بعض الجهات في الاردن الى مستويات غير مقبولة, مع تضخيم الامور وبث الاشاعات, وابداء الرأي المبني على جهل تام بالامور, الى درجة غدا فيها النقد الناضج المبني على المعلومات, غارقا في خضم الاشاعات والجهل.
وقد اشار البعض الى ما يحدث على انه خارج عن المالوف ولا يحدث الا في الاردن, بينما في الحقيقة ان جميع الحكومات تقوم بمثل هذه النشاطات. واخرون ربطوا بينه وبين وجود مؤامرة امريكية - صهيونية لتفكيك الدولة الاردنية, بينما ادعى فريق ثالث بوجود صفقات فساد هائلة, بينما راى فريق رابع ان هناك مجموعة من الليبراليين تعمل على تفكيك ارث والدي الملك الحسين رحمه الله, وكثير غير ذلك. حتى ان بعض هذه الاشاعات طالتني شخصيا.
واذكر مرة انني تحدثت مع والدي, رحمه الله حول الاشاعات التي كانت تدور حول احد المسؤولين الحكوميين, وطلب مني ان اتوخى الحذر قبل تكرار اي شيء سمعته (لان الفرق بين الكذب والحقيقة امر في غاية البساطة - هو وجود البرهان). وقال رحمه الله لي ان الناس الذين يتفوهون بادعاءات خطيرة يمكن ان تؤذي سمعة الاخرين ومسارهم الوظيفي دون ادنى برهان, هم اما جهلة او جبناء. وقال لي اننا لن نسمح ابدا باختطاف الاردن من قبل الجبناء او الجهّال. واليوم, هذه رسالتي لاخواني واخواتي المواطنين الاردنيين الشرفاء, وهي ان السياسات العامة لن تكون رهينة للاشاعات والجهل. فالعالم يغدو بسرعة مكانا بالغ التقنية والتعقيد. وانا ادرك ان بعض سياسات الحكومات قد تواجه بسوء الفهم وبعدم الرضى, كما ان الحكومات احيانا ترتكب اخطاء كبيرة, ولكن اذا كان لدى اي شخص برهان على تصرف خاطىء مقصود, فليقف وليعلن ذلك, وبابي دائما مفتوح. وانا اتشرف بالانتماء الى عائلة هاشمية نات دائما بنفسها عن الاشاعات والكلام غير المسئول الذي لا نعيره اهتمامنا.
* اشعر ان الاشاعات تزايدت بصورة كبيرة في الاشهر القليلة الاخيرة.. ماذا ترون جلالتكم في ذلك?
- اشعر ان هناك سببين رئيسيين: الاول ان الارتفاع في الاسعار سبب كثيرا من عدم الرضا لدى الناس, وشكل ارضية خصبة لتصديق الاكاذيب والاشاعات, ومن هنا فان هناك فئات ومجموعات مختلفة تستغل عدم الرضا هذا لفرض ونشر اجنداتها السياسية. فعلى سبيل المثال نرى الان ان من يعارض الانفتاح الاقتصادي هم الاعلى صوتا في نقدهم لسياسات الحكومة الاقتصادية بالرغم من انه ليس لديهم اي بديل عملي, ولا يستطيعون ان يقدموا اي بديل او نموذج في اي مكان في العالم. ان نقد السياسات الحكومية في الاوقات الصعبة واستعمال هذا من اجل اجندة معينة لمجموعة من الناس امر مقبول يحدث في جميع ارجاء العالم. ولكن استعمال اكاذيب مكشوفة واشاعات صبيانية, تعيق مسيرتنا نحو التقدم, هو امر غير منصف وغير مقبول على الاطلاق.
والسبب الثاني للزيادة في اطلاق الاشاعات هو الاهتمام الكبير للمستثمرين العرب في الاستثمار في الاردن. فعلى مدى السنين عملت هذه الحكومة والحكومات السابقة, وعملت انا كما عمل المرحوم والدي الحسين من قبلي, بجد كبير للترويج للاردن كمقصد استثماري, وقد بدا هذا اخيرا يثمر بصورة كبيرة. ومن الواضح ان الزيادة المفاجئة في اسعار النفط كان لها دور كبير في المساعدة على تحقيق ذلك. وهذا شيء جيد, ولكن عندما نتحدث عن استثمارات كبيرة لم نعتد عليها تاريخيا في الاردن, فان الناس يبداون بصورة اوتوماتيكية, بالتحدث عن الفساد. وهذا امر طبيعي. وايضا, فان السرعة التي تتصرف بها الحكومة احيانا من اجل جذب الاستثمار العربي وخاصة الخليجي قد تفاجئ المجتمع وتسبب الكثير من الكلام. ولكن من الاهمية بمكان لشعبنا الاردني ان يتفهم ان هذه الحاجة الى السرعة ترتبط بصورة مباشرة بالحاجة الى استثمار عوائد بيع النفط بسرعة لتعظيم عوائدها. وسواء رضينا ام ابينا, فهذا هو الاسلوب الذي يتبعه العالم في عمله. والبلدان التي تتعامل مع هذه السرعة ستفوز, وتلك التي تتاخر عن الركب وتسمح للبيروقراطية المعقدة ان تقف في طريق تحركها ستفشل. ان جميع البلدان في ارجاء العالم وفي المنطقة تتنافس لجذب الاستثمارات الخليجية, ومثلما قلت سابقا لن ينتظرنا احد.
وهذا لا يعني ان الاستثمار يجب ان يكون على حساب الشفافية. قطعا لا. انا انسان طموح وخاصة عندما يتصل الامر بالاردن, واعتقد انه يمكننا الحصول على الاثنين معا, ويمكننا ان نحقق الاثنين الاستثمار والشفافية وبصورة جيدة الى حد كبير. ولكن اولا كمجتمع علينا ان نتجاوز بعض العوائق التي تشوش عقلنا وتفكيرنا, وان نتخلص منها بصورة نهائية. علينا ان نؤمن ان الاستثمار الاهلي الوطني والاجنبي امر جيد لبلدنا وشعبنا, وكذلك التخاصية, وهناك البعض الذين يضعون مثل هذه المفاهيم الاساسية موضع التساؤل, وهذا في الواقع يبطىء مسيرتنا. فجميع الدول في العالم تطبق برامج للتخاصية, وجميع الدول لديها استراتيجيات لترويج الاستثمار, وجميع الدول تبيع اصولا مملوكة للدولة مثل الاراضي لتشجيع التنمية. فاذا ما اتهمنا الحكومة في كل مرة تقوم فيها بمثل هذه النشاطات, على انها تمارس اعمالا سيئة وفاسدة, فاننا لن ننجح ابدا كدولة. ان الجدال يجب ان يركز على الشفافية وعلى استعمال عائدات هذه البيوعات لمصلحة شعبنا بدلا من الاستمرار في كيل الاتهامات الباطلة, وابدا لن تكون ثقافتنا وهويتنا الوطنية للبيع كما تردد بعض الاشاعات المغرضة.
* ربما كان الحديث عن بيع المدينة الطبية واحدا من المشروعات التي اثارت اكبر قدر من الجدل وخلقت الكثير من الحراك في الدوائر الاردنية. هل تحدثنا جلالتكم بالمزيد عن هذا الامر?
- اولا اسمح لي ان اقوم بتصحيح صغير ولكنه بالغ الاهمية لسؤالك: فالمدينة الطبية لم تبع. ولابدا من البداية, فليس سرا ان البنية التحتية للمدينة الطبية على جميع المستويات تخضع لضغوطات هائلة وهي بحاجة الى استثمار كبير. والمكونات الرئيسية للمدينة الطبية صممت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي من قبل شركة بريطانية وبدا البناء في الستينيات من القرن الماضي وافتتح اول مبنى في المدينة في نهاية الستينيات, ومن هنا يتبين ان المدينة بنيت عندما كان الاردن بلدا فقيرا ولم يؤخذ في الحسبان تصاعد الاحداث التي جرت اثناء بنائها والفترة التي تلت ذلك, احداث على سبيل المثال مثل حرب عام ,1967 والنمو الهائل في السكان, والارتفاع في اسعار النفط وما صاحبه من رخاء في سبعينيات القرن الماضي وحرب العراق الاولى, وغيرها من الاحداث. ونحن جميعا نعلم ما خلفته هذه الاحداث من تاثيرات .. وقد تحققت استثمارات لاحقة ولكنها لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد .. وليس هناك من شك في ان المدينة الطبية واحدة من انجح الاستثمارات في تاريخ الاردن وقد خدمتنا بشكل جيد على مدى الاربعين عاما الماضية, ونحن بحاجة اليها لكي تخدمنا بنفس المستوى على مدى الاربعين سنة القادمة .. ونظرة عابرة كل صباح الى الاعداد الهائلة للمرضى المراجعين والمتوافدين الى المدينة الطبية تكفي لتقدير مدى الضغوط الهائلة على هذا الصرح الطبي والحاجة الماسة لتوسعة مرافقه وتطويرها. وطالما عبر لي عن ذلك الاطباء والعاملون النشامى على مدى السنوات الماضية.
قبل اشهر, اخبرني رئيس هيئة الاركان المشتركة ومدير الخدمات الطبية الملكية بانهم طلبوا من الحكومة توفير مبلغ يتجاوز 150 مليون دينار من اجل تطوير البنية التحتية في المدينة الطبية التي هي بامس الحاجة اليها, لكي تقوم بتطوير خدماتها لتلبية الطلب المتزايد في ايامنا هذه, وخفض الضغط الذي تتعرض له بنيتها التحتية الحالية, ونظرا لمحدودية امكانيات الموازنة العامة في تلبية هذا الطلب لم تتمكن الحكومة من تلبية هذا الطلب وتم التباحث بالخيارات امام الخدمات الطبية والتي كانت تتمثل في ان نؤخر تطوير وتحديث الخدمات الطبية لعدة سنوات, ولكن هذا سيكون على حساب شعبنا الاردني بصورة مؤلمة, في الوقت الذي يحتاج فيه الى الرعاية الطبية. كما قامت الحكومة بدراسة امكانية اقتراض المبالغ اللازمة للقيام بعمليات التحديث والتطوير وتجديد البنية التحتية للمدينة الطبية في اسرع وقت ممكن, وهذا لم يكن مجديا سيما في ضوء هدفنا الاستراتيجي بضرورة خفض مستويات المديونية, وكان احد الخيارات دراسة جدوى بيع بعض الاراضي التابعة لمدينة الحسين الطبية في عمان واستثمار عوائد البيع لبناء مجمع طبي جديد متكامل على قطعة ارض اخرى من اراضي الحكومة.
وكان المنطق وراء هذه الفكرة كما يلي: ان القيمة الحالية للارض في منطقة المدينة الطبية عالية جدا. واذا ما بيعت الارض بهذ السعر العالي واذا ما تمكنت الحكومة من تخصيص ارض بديلة للمدينة الطبية مجانا, فعندها يمكننا استعمال عائدات بيع الارض لبناء مجمع طبي بمستوى القرن الحادي والعشرين يلبي الحاجات الطبية لشعبنا على مدى الاربعين عاما القادمة وما بعدها ان شاء الله. اضافة الى ذلك كانت الخطة ايضا استعمال العائدات لتحديث ورفع سوية جميع المستشفيات العسكرية في جميع ارجاء المملكة حتى لا يضطر المرضى الى السفر عبر مسافات بعيدة من اجل الاجراءات الروتينية, ولم تكن الفكرة مختصرة على تحسين خدماتنا الطبية بصورة هامشية, ولكن كان الهدف احداث نقلة نوعية في مستوى الخدمة التي نقدمها لابناء وبنات شعبنا العزيز. ومن الاهمية بمكان ان نعيد القول بان الفكرة لم تكن خصخصة المدينة الطبية كما رددت بعض الاشاعات, بل كانت بيع الاملاك القديمة الى مستثمرين من القطاع الخاص لتطويرها عقاريا وان تكون المرافق الحديثة الجديدة مملوكة للحكومة تديرها كما كانت دائما الخدمات الطبية الملكية في القوات المسلحة.
والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا لم يعلن عن هذا على الفور? والجواب بسيط ومنطقي وهو ان هذا الامر كان مجرد فكرة وليس سياسة حكومية, ومن المهم بمكان ان يتفهم جميع الاردنيين ذلك, فهناك الالاف من الافكار التي تطفو هنا وهناك في دوائر الحكومة في جميع الاوقات. وقبل ان تتحول الافكار الى سياسة وتعلن للشعب عبر الاعلام لا بد من دراستها لتقرير جدواها, وكثير من الافكار لا تجد طريقها الى التنفيذ كما تعلمون.
وفي الواقع ان هذه الفكرة تحديدا تواجه بعدة تحديات: هل لدى الحكومة ارض مناسبة لمجمع جديد? ما هي كلفة المجمع الجديد? هل هناك مستثمرون مهتمون بمثل هذا الاقتراح? واذا كان الامر بالايجاب ما هو المبلغ الذي سيدفعونه للمجمع القديم? هل سيكون ذلك المبلغ كافيا لتغطية نفقات المجمع الجديد? واضافة الى ذلك كله هل المستثمرون مستعدون لان ينتظروا ما لا يقل عن اربع الى خمس سنوات لحين الفراغ من بناء المرفق الجديد قبل ان يتمكنوا من الاستفادة من الارض التي اشتروها? وهناك العديد من الاسئلة والتحديات الاخرى التي كانت بحاجة الى اجابات قبل الاعلان عن هذا الاقتراح, وقد نهضت جميع الجهات المعنية للعمل وبدات الحكومة في البحث عن الاراضي المحتملة لمثل هذا المشروع, وعقدت ادارة المدينة الطبية عدة اجتماعات لمناقشة الفكرة, كما قامت الحكومة باستشارة المستثمرين المحتملين لمعرفة افكارهم حول الموضوع بصورة مبدئية, وكان من الضرورة والصواب اعطاء الحكومة الوقت الكافي لدراسة مثل هذه الفكرة دراسة وافية. ولكن هذا لم يحدث وقد اختمرت الفكرة في بداية شهر شباط من هذا العام, وانطلقت اشاعات بيع المدينة الطبية بعد ثلاثة او اربعة اسابيع , واخذت تنتشر هنا وهناك, وكما هو متوقع لم يكن لدى الحكومة المعلومات الكافية للاجابة على سيل الاسئلة المنهمرة من وسائل الاعلام ومن الجمهور. ولا شك انه كانت هناك اخطاء ارتكبت في استراتيجية الاعلام والاتصال وفي تفسير ما حدث.
واليوم وكما هو الواقع الفعلي, فان المدينة الطبية كمؤسسة واسم لن يباع ابدا لاحد ولكن هناك احتمال لبيع بعض ممتلكاتها, فالحكومة بحاجة الى وقت اطول لدراسة الامر بعمق اكبر. والاشاعات بانها بيعت فعلا ليست صحيحة, والاشاعات بان البيع جزء من مؤامرة لتفكيك الدولة الاردنية ليس الا مجرد هراء والاشاعات حول الفساد الحكومي ليست اكثر من خيال وافتراء. وقبل ان تسالني اقول لك لا لم يتم بيع الجامعة الاردنية كما لم يتم بيع المدينة الرياضية وليس لدى اي احد النية لبيعهما.
* اشكر جلالتكم على اجابتكم المباشرة والواضحة ولكن لا بد لي من التوقف قليلا عند هذه القضية, فاذا ما تجاوزنا الاشاعات هناك البعض الذين ي
المزيد