
جنة وادي عمد ـ اليمن
مرت سدانة الكعبة المعظمة، او سدانة بيت الله الحرام، منذ تاريخها الطويل بمراحل وأحداث مهمة، وكانت بيد اسماعيل عليه السلام، ثم بعد وفاته صارت لولده ثابت بن اسماعيل الى أن اغتصبها من ولده أخواله جرهم، ومكثت السدانة في جرهم عدة قرون الى ان اغتصبها منهم خزاعة، ومكثت في خزاعة عدة قرون الى ان آل أمر مكة والكعبة المشرفة الى قصي بن كلاب بن مرة القرشي، وهو الجد الخامس للنبي صلى الله عليه وسلم، فاسترجعها من خزاعة بعد حرب دامية، ثم صارت من بعده في ولده الأكبر عبد الدار، ثم صارت في بني عبد الدار جاهلية وإسلاما، الى أن آل أمر السدانة الى شيبة بن عثمان بن طلحة، واسمه عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، ثم صار أمر السدانة في أولاد بني شيبة بن عثمان الى العصر الحاضر يتوارثونها كابرا عن كابر.
وقدّم حسين عبد الله باسلامة معلومات مهمة عن «تاريخ الكعبة المعظمة.. عمارتها وكسوتها وسدانتها»، ضمنها في كتاب طبع قبل 75 عاما وأهداه مؤلفه الراحل الى الملك المؤسس عبد العزيز، وأعيدت طباعة الكتاب ثانية عام 1982.
أشار باسلامة الى محطات مهمة في تاريخ سدانة الكعبة قبل الاسلام وبعده، اعتمادا على مصادر تاريخية متعددة، وما يهمنا في هذا الصدد هو كيف آلت سدانة الكعبة الى بني شيبة حتى العصر الحاضر مع ذكر نسب آل شيبة ومن تولى منهم السدانة وترجمة لبعضهم.
ويوضح الباحث ان خبر سدانة الكعبة المعظمة في الاسلام وإعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة وشيبة بن عثمان أبي طلحة، قد ورد ذلك مفصلاً في كتب التفسير والحديث والسير والتاريخ، وغيرها، فروى ابن سعد في الطبقات عن عثمان بن طلحة قال «كنا نفتح الكعبة في الجاهلية يوم الاثنين والخميس، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوما يريد ان يدخل الكعبة مع الناس فأغلظت له ونلت منه، فحلم عني ثم قال: يا عثمان لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقلت: لقد هلكت قريش يومئذ وذلت، قال: بل عمرت وعزت يومئذ. ودخل الكعبة فوقعت كلمته مني موقعاً ظننت يومئذ ان الأمر سيصير الى ما قال. فلما كان يوم الفتح قال: يا عثمان أئتني بالمفتاح، فاتيته به فأخذه مني ثم دفعه الي وقال: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم، يا عثمان ان الله استأمنكم على بيته فكلوا مما يصل اليكم من هذا البيت بالمعروف. قال: فلما وليت ناداني فرجعت اليه فقال: ألم يكن الذي قلت لك؟ قال تذكرت قوله لي بمكة قبل الهجرة: لعلك سترى هذا المفتاح يوماً بيدي أضعه حيث شئت. قلت: بلى أشهد أنك رسول الله».
وفي ما يخص نسب آل الشيبي سدنة الكعبة فقد سردها المؤلف كما وجدها في دار المفتاح الذي جعل في هذا العصر مسكناً لرئيس السدنة على لوحة مكتوبة بخط بديع بماء الذهب، تبدأ بالمرحوم الشيخ عبد القادر بن علي الشيبي المتوفى في العاشر من رمضان سنة 1351هـ (6 يناير 1933)، وجاءت سلسلة النسب كما يلي: عبد القادر بن علي بن محمد بن زين العابدين بن محمد عبد المعطي بن عبد الواحد بن محمد جمال الدين بن القاسم بن أبي السعود بن أبي فخر الدين بن محمد جمال الدين بن عمر ابن سراج الدين بن محمد بن علي بن غانم بن محمد بن مفرج بن محمد بن يحيى بن عبيدة بن حمزة بن بركات بن شيبة بن عبد الله بن شعيب بن جبير ابن شيبة بن عثمان بن ابي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي. هذه سلسلة اللقب ومنها يعلم ان آل الشيبي يجتمعون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصي بن كلاب.
وقد تولى رئاسة السدانة للكعبة المعظمة كثير من آل شيبة ممن لم تذكر اسماؤهم في سلسلة النسب المتقدم ذكره، منهم غانم وعلي، من أبناء غانم بن محمد بن مفرج، ومحمد بن علي، وأبوه علي، ينتمي نسبهما الى يحيى ابن عبيدة بن حمزة، وأحمد الطيب من أولاد سراج الدين بن محمد بن علي. وهؤلاء الذين يمت اليهم نسب من ذكرت اسماؤهم هنا وقد ذكرت اسماؤهم في سلسلة النسب المذكور.
وقد ذكر التقي الفاسي في كتابه «العقد الثمين» اسماء أناس من آل شيبة تولوا السدانة غير من ذكرت اسماؤهم فيما تقدم، فقال ممن تولى السدانة محمد بن ابي بكر بن ناصر بن أحمد العيدري الشيبي الملقب بالجمال، ولي السدانة بعد محمد بن يوسف الشيبي في أوائل جمادى الأولى عام 749هـ (أغسطس 1348) وتوفي عام 77هـ (أكتوبر 1375) وهو في عشرة السبعين. قال: وكان ذا مروءة واقدام وهمة عالية، سمع من القاضي عز الدين بن جماعة والفخر النويري، ومولده فيما بلغني ببلاد (مقدشوه) وكان يتردد اليها وله فيها بعض أولاده.
ثم ذكر التقي الفاسي في ترجمة من اسمه محمد بعض آل شيبة فقال: محمد بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث بن طلحة بن أبي طلحة بن عبد العزي بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، ابو عبد الله أخو منصور بن عبد الرحمن الحجي روى عن أخيه منصور وصفية بنت شيبة وهي أمه، وقيل جدته، وروى عن شعبة بن الحجاج، وأبو عاصم، وأبو جعفر، وابن المبارك ووكيع بن الجراح، وروى عنه أبو داود، وذكر ابن حيان في الثقات، ذكره صاحب الكمال وتهذيبه وصرح بأنه مكي. ومحمد بن علي بن أبي راجح بن محمد ادريس العبدري الشيبي الحجي المكي جمال الدين بن نور الدين شيخ الحجية وفاتح الكعبة، ولى فتح الكعبة بعد موت قريبه فخر الدين أبي بكر محمد بن أبي بكر الشيبي في صفر أو ربيع الاول سنة 817هـ (مايو 1414) ولم يزل متوليا لذلك حتى مات، وكان فيه خير وسكون وجود الكتابة وسكن زبيدة مدة سنتين وصار يتردد منها الى مكة ثم استقر بها من حين ولى فتح الكعبة الى حين وفاته، وكانت وفاته يوم الخميس 13 جمادى الأولى سنة 827هـ (21 أبريل 1424) بمكة، وبلغ الستين وصار مفتاح الكعبة بعده لقريبه نور الدين علي بن أحمد الشيبي المعروف بالعراقي. ومحمد بن يوسف بن ادريس بن مفرج بن غانم الشيبي شيخ الحجبة وفاتح الكعبة ولي السدانة بعد يحيى بن علي بن يحيى الشيبي وتوفي سنة 749هـ (1348).
السدانة في العصر الحاضر
* محمد بن زين العابدين بن محمد بن عبد المعطي الشيبي، الذي هو جد آل شيبية الحاليين المعاصرين، فقد توفي والده زين العابدين في اواخر القرن الثاني عشر من الهجرة (1785) وهو طفل وتولى سدانة الكعبة بعد زين العابدين عبد القادر الشيبي ابن عم محمد المشار اليه، وفي سنة 1210هـ (1796) توفي عبد القادر عقيما، وبذلك آلت السدانة الى محمد بن زين العابدين وهو يومئذ حدث السن ولم يوجد في آل شيبة ولدا ذكر غيره، وكان أمير مكة في ذلك العصر الشريف غالب بن مساعد، فأخذ الشيخ محمد بن زين العابدين الى داره وكفله واعتنى بتربيته كأولاده وأكرمه الى ان كبر وتولى أمر السدانة ثلاثا واربعين سنة وكان عالما فاضلا وله رسالة في مناسك الحج على مذهب الامام الشافعي نظما، وتوفي سنة 1253هـ (1837) وخلف من الذكور ستة أولاد هم عبد القادر، سليمان، جعفر، أحمد، عبد الله، علي. فتولى بعد وفاته رئاسة السدنة أكبر أولاده الشيخ عبد القادر بن محمد سنة 1253هـ (1837) ومكثت بيده المشيخة ومفتاح الكعبة سبع سنين وتوفي سنة 1260هـ (1844) فتولى بعده أخوه الشيخ سليمان بن محمد في السنة المذكورة وتوفي سنة 1261هـ (1845) ولم يمكث في الرئاسة الا سنة واحدة. فتولى بعده أخوه الشيخ جعفر بن محمد في السنة المذكورة ولم يمكث في الرئاسة غير سنة واحدة وتوفي سنة 1262هـ (1846) ثم تولى السدنة بعده أخوه الشيخ أحمد بن محمد في السنة المذكورة وكان أمير مكة في ذلك العصر الشريف محمد بن عبد المعين بن عون، وفي أثناء رئاسة الشيخ أحمد بن محمد الشيبي سافر أخوه الشيخ علي بن محمد الى القسطنطينية في سلطنة السلطان عبد المجيد خان بن السلطان محمود خان العثماني، فأكرمه السلطان واحسن عليه واكرم مثواه ومنحه مبلغاً من المال بقصد عمارة دار خاصة بمفتاح الكعبة المعظمة يضع فيها مفتاح الكعبة دواما ويسكنها مع المفتاح كل من تولى رئاسة السدنة، فلما رجع الشيخ علي الشيبي الى مكة المكرمة بنى الدار المذكورة الشهيرة في العصر الحاضر بدار المفتاح في الصفا، وأنشأها على ارض تابعة لآل شيبة الذين هم سدنة الكعبة المعظمة، وعند تمام بناء الدار المذكورة توفي رئيس السدنة الشيخ أحمد بن محمد الشيبي سنة 1274هـ (1858) قبل ان يسكنها وانما غسلوه فيها، وكانت مدة رئاسة الشيخ أحمد اثنتي عشرة سنة، ثم تولى رئاسة السدانة بعده الشيخ عبد الله بن محمد الشيبي في السنة المذكورة وهو أول من سكن دار المفتاح بعد عمارتها ومكثت السدانة بيده اثنين وعشرين سنة وتوفي سنة 1296هـ (1879) وكان هو آخر من تولى سدانة الكعبة المعظمة من اولاد الشيخ محمد بن زين العابدين الشيبي، وذلك لأن الشيخ علي بن محمد توفي في حياة أخيه الشيخ عبد الله المشار اليه، ولم يل السدانة، فهؤلاء الطبقة الأولى من أولاد الشيخ محمد بن زين العابدين الشيبي.
واما الطبقة الثانية الذين هم أحفاد الشيخ محمد بن زين العابدين الشيبي، أو بعبارة أخرى أبناء الأبناء، فأول من تولى رئاسة السدنة منهم وصار صاحب مفتاح الكعبة المعظمة كما هي عادتهم من ان المفتاح يكون بيد رئيس السدنة هو الشيخ عمر بن جعفر بن محمد الشيبي، فقد تولى الرئاسة بعد وفاة عمه الشيخ عبد الله بن محمد سنة 1296هـ (1879) وذلك انه لما تولى الشيخ عبد الله الشيبي كان الشيخ عمر غائبا في بلاد جاوا، فأرسل اليه ابن عمه الشيخ عبد القادر بن علي الشيبي رسولا خاصا الى بلاد جاوا يخبره الخبر فلما بلغه ذلك حضر من بلاد جاوا وتولى أمر السدنة ومكث صاحب المفتاح ورئيس السدنة ثماني سنين الى ان توفي سنة 1304هـ (1887)، ثم تولى بعده ابن عمه الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله الشيبي بن محمد بن زين العابدين الشيبي رئاسة السدنة سنة 1304هـ (1887)، ومكث رئيسا على سدنة الكعبة المعظمة الى سنة 1311هـ (1894) فأخذ منه المفتاح وعزل من رئاسة السدنة في تلك السنة وتولى بعده ابن عمه الشيخ محمد






















